ابو القاسم عبد الكريم القشيري

399

شرح الأسماء الحسنى

فأما رتبة العبادات في الصبر فعلى أقسام : أولها : التصبر وهو تكلف الصبر ومقاساة الشدة فيه ، وبعد ذلك الصبر وهو سهولة تحمل ما يستثقله غيره من فنون القضاء وضروب البلاء ، وبعد ذلك الاصطبار ، وهو النهاية في الباب ، ويكون ذلك بأن يألف الصبر ، فلا يجد مشقة بل يجد روحا وراحة . قال الشاعر : تعودت حسن الصبر حتى ألفته * وأسلمنى حسن العزاء إلى الصبر وأنشدوا : صابر الصبر فاستغاث به الصبر * فصاح المحب يا صبر صبرا سمعت أبا على الدقاق ، رحمه اللّه تعالى ، يقول : إن محنة أيوب عليه السلام ، إنما كانت من عجز الصبر عن مقاومته ، ومثل هذا إنما يقال على سبيل ضرب المثل والإخبار عن نهاية حال العبد في الصبر ، وإلا فالصبر صفة ولا توصف بالعجز والقدرة ، وقد قيل : المحنة إذا دامت ألفت . سمعت الدقاق يقول : ليس الصبر أن لا تذكر البلاء لفظا ونطقا ، إنما الصبر أن لا تعترض على قدرته استقباحا لذلك ونكرا ، وشاهده ما أخبر اللّه تعالى عن أيوب بقوله : مَسَّنِيَ الضُّرُّ ثم قال تعالى : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ « 1 » وكان يقول ، رحمه اللّه تعالى : علم اللّه ضعف هذه الأمة وأنهم لا يطيقون تحمل البلاء فجعل قصة أيوب سلوة لكل ممتحن يخبر عن شدة محنته ، ومقاساة صبره .

--> ( 1 ) ص : 44 .